ابن خلدون
422
تاريخ ابن خلدون
رسوخها ولما ألقى الداعي بن أبي عمارة جسدا على كرسي الخلافة سنة احدى وثمانين قلده خطة الجباية بالحضرة مستقلا فيها بالولاية والعزل والفرض والتقدير والحسبان بعد أن أجزل من بيت المال عطاءه وجرايته وأسنى رزقه وأهدى الجواري من القصر إليه ولما هلك الداعي واستقلت قدم الخلافة من عثارها كما قدمناه سنة ثلاث وثمانين لحق عبد الحق بن مكي ببلده وامتنع بها على حين ركود ريح الدولة وفشلها ومرض في طاعته ودافع أهل الدولة بالدعاء للخليفة على منابره ثم جاهر بالخلعان سنة ثلاث وتسعين وبعث بطاعته إلى صاحب الثغور المولى أبى زكريا الأوسط وهلك ابنه أحمد ولى عهده سنة سبع وتسعين ثم هلك هو من بعده على رأس المائة السابعة وتخلف حافده تكماقبصوه للملك بعقبه وكفله ابن عمه يوسف بن حسن وقام بالأمر مستبدا عليه إلى أن هلك وخلفه في كفالة أحمد بن ليدان من بيوت أهل قابس وأصبهان وبنى مكي وأثاب أمرهم بمهلك يوسف فنقب لهم السلطان الآن اللحياني إلى الحضرة وأقاموا بها أياما ثم ردهم إلى بلدهم أيام مجافاته عن تونس وخروجه إلى ناحية قابس ثم هلك خلال ذلك مكي وخلف صبيين يافعين عبد الملك وأحمد فكفلهما ابن ليدان إلى أن شبا واكتهلا ولهما من الامتناع على الدولة والاستبداد بأمر القطر والاقتصار على الدعاء للخليفة مثل ما كان لأبيهما وأكثر لتقلص ظل الملك عن قطرهم وشغل السلطان بمدافعة يغمراسن وعساكرهم عن الثغور الغربية واجلائهم بالأعز واعتاص من أهل البيت على الحضرة ولما هلك السلطان أبو يحيى اللحياني بمصر قفل ابنه عبد الواحد إلى المغرب يحاول أسباب الملك ونزل بساحتهم على ما كان من صنائع أبيه إليهم فذكروا العهد وأوجبوا الحق وآتوا بيعتهم كبيرهم عبد الملك بأمره ودعا الناس إلى طاعته وخالف السلطان أبا يحيى عند نهوضه إلى الثغور لحماية سنة ثلاث وثلاثين كما قدمناه فدخل الحضرة ولبث بها أياما لم تبلغ نصف شهر وبلغ خبرهم إلى السلطان فانكفأ راجعا وفروا إلى مكانهم من قابس والدولة بنظرهم الشزر ويتربص بهم الدوائر إلى أن غلب السلطان أبو الحسن على تلمسان ومحا دولة آل يغمراسن وفرغت الدولة من شأنهم إلى ومد عمر يده إلى صفاقس فتناولها وتغلب عليها سنة سبع وخمسين وهلك السلطان أبو عنان وقد شرق صدر ابن تافراكين الغالب على الحضرة بعداوتهما فردد عليهما برا وبحرا إلى أن تخلص جزيرة جربة من أيديهما أعوام أربعة وستين وعقد عليهما